شكيب أرسلان

272

الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )

فلمّا رآه ابنا ربيعة وما لقي ، تحركت له رحمهما ، فدعوا غلاما لهما نصرانيا ، يقال له : عدّاس ، فقالا له : يا عدّاس خذ قطفا من هذا العنب ، فضعه في هذا الطبق ، واذهب به إلى ذلك الرجل ، وقل له يأكل منه ، ففعل عدّاس ، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ثم قال له : كل . فلمّا وضع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فيه يده قال : « بسم اللّه » ، ثم أكل ، فنظر عدّاس في وجهه ، ثم قال : واللّه إنّ هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد . فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ومن أيّ البلاد أنت ؟ » فقال : أنا رجل نصراني من أهل نينوى ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أمن قرية الرّجل الصالح يونس بن متّى ؟ » فقال عدّاس : وما يدريك ما يونس بن متّى ؟ فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ذاك أخي ، كان نبيا وأنا نبي » فأكبّ عدّاس على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقبّل رأسه ويديه وقدميه وأسلم . فقال أحد ابني ربيعة لأخيه : أمّا غلامك فقد أفسده عليك ، فلما جاءهما عدّاس ، قالا : ويلك يا عدّاس مالك تقبّل رأس هذا الرجل ، ويديه وقدميه ؟ فقال : يا سيدي ما في الأرض شيء خير من هذا الرجل ، لقد أخبرني بأمر لا يعلمه إلا نبي ، قالا له : ويحك يا عداس لا يصرفنّك عن دينك ، فإنّ دينك خير من دينه ، ولكنّ عدّاسا لم يتزعزع لقولهما . ولا يزال في المثناة محلّ يزار يقال : إنّه المكان الذي أسلم فيه عدّاس . وقد روى أهل السير أنّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لما خرج إلى الطائف يدعو ثقيفا إلى الإسلام ، كان معه زيد بن حارثة ، وأقام شهرا يدعوهم إلى اللّه ، ولم يجيبوه ، ثم أغروا به سفهاءهم ، وجعلوا يرمونه بالحجارة ، حتى لقد شجّ رأسه صلى اللّه عليه وسلم ، وحتى إنّ رجليه لتدميان ، وزيد يقيه بنفسه . ثم إنّه غزا الطائف ، وضرب في أثناء حصاره الطائف قبتين لزوجتيه : أم سلمة وزينب رضي اللّه عنهما ، وكان يصلّي بين القبتين . فلما أسلمت